هل أصبحت دمشق غالية… أم أننا نقارن الأشياء الخطأ؟
في كل مرة يُعلن فيها عن مشروع سكني جديد في دمشق أو ريفها، أو تُطرح أسعار شقق في أحياء المدينة وضواحيها، تتكرر التعليقات نفسها:
“أسعار خيالية!” “من سيشتري بهذا السعر؟” “هذه الأسعار أعلى من أوروبا!” “المطورون العقاريون يحققون أرباحاً فلكية!”
لكن السؤال الحقيقي الذي نادراً ما يُطرح هو:
هل المشكلة فعلاً في سعر العقار؟ أم في طريقة المقارنة نفسها؟
دمشق ليست قرية حتى تُسعّر كقرية
عندما يتحدث البعض عن سعر متر يتراوح بين 1500 و2000 دولار في مناطق جيدة داخل دمشق، يتعامل مع الرقم وكأنه موجود في فراغ.
لكن العقار لا يُسعّر بناءً على دخل السكان فقط، بل بناءً على الموقع والندرة والطلب.
الأرض داخل دمشق ليست سلعة يمكن إنتاج المزيد منها.
عدد الكيلومترات التي تشكل قلب العاصمة ثابت، بينما عدد الراغبين بالسكن أو الاستثمار فيها يزداد باستمرار.
فكيف يُتوقع أن تكون أسعار العقارات في مدينة عمرها آلاف السنين، ومركز سياسي واقتصادي وثقافي للبلاد، مماثلة لأسعار ضواحٍ بعيدة في مدن أخرى؟
المقارنة الشائعة غالباً غير عادلة
كثير من السوريين المغتربين يقارنون شقة في دمشق بشقة في ضاحية سويدية أو بلدة ألمانية أو منطقة بعيدة عن مركز مدينة خليجية.
هذه ليست مقارنة صحيحة.
إذا أردت مقارنة عادلة، فقارن:
• قلب دمشق بقلب المدينة المقابلة.
• المناطق المرموقة في دمشق بالمناطق المرموقة في المدينة الأخرى.
• الأراضي المحدودة داخل العاصمة بأراضٍ محدودة داخل عاصمة أخرى.
أما مقارنة عقار في المزة أو أبو رمانة أو المالكي أو مشروع راقٍ في يعفور، بعقار في ضاحية تبعد عشرات الكيلومترات عن مركز مدينة أوروبية، فهي مقارنة بين منتجين مختلفين تماماً.
الموقع ليس تفصيلاً صغيراً في العقار.
بل هو العقار نفسه.
“لكن الخدمات أفضل في الخارج”
صحيح.
لا أحد ينكر أن هناك مدناً تتفوق على دمشق في البنية التحتية والنقل والخدمات العامة.
لكن هل الخدمات وحدها هي التي تصنع قيمة العقار؟
لو كان الأمر كذلك لكانت جميع المدن التاريخية في العالم رخيصة.
القيمة العقارية تُبنى على مجموعة عوامل:
• الموقع.
• الندرة.
• الكثافة السكانية.
• أهمية المدينة.
• مركزيتها الاقتصادية.
• الطلب الحالي والمستقبلي.
• البعد الاجتماعي والعائلي.
• القيمة التاريخية والحضارية.
ولهذا نجد مدناً كثيرة حول العالم أسعارها مرتفعة رغم وجود مشكلات في البنية التحتية أو الازدحام أو الضرائب أو غيرها.
العقار لا يُشترى فقط لأن الشارع أعرض أو لأن الإنترنت أسرع.
إذا كانت الأسعار خيالية… فلماذا يوجد مشترون؟
هذا السؤال غالباً ما يتجاهله المنتقدون.
إذا كانت الأسعار مبالغاً بها إلى درجة الجنون، فلماذا يستمر الطلب؟
ولماذا تستمر عمليات البيع؟
ولماذا تدخل شركات خليجية وسعودية وإماراتية إلى السوق وتبدأ مشاريع بمئات الملايين؟
السوق العقاري لا يعيش على التعليقات في مواقع التواصل.
السوق يعيش على الصفقات الفعلية.
والحقيقة البسيطة هي أن هناك أشخاصاً يرون قيمة في التملك داخل دمشق وريفها أكثر مما يراه أصحاب التعليقات الغاضبة.
المطور العقاري ليس جمعية خيرية
هناك فكرة منتشرة مفادها أن أي مشروع عقاري يبيع بسعر مرتفع يعني أن المطور يحقق أرباحاً أسطورية.
وهذا تبسيط شديد.
المطور يشتري أرضاً مرتفعة الثمن.
ويمول المشروع.
ويتحمل مخاطر السوق.
ويدفع تكاليف البناء والمواد والعمالة والخدمات.
ويجمّد رأس ماله لسنوات قبل التسليم.
وعندما يطرح مشروعاً متكاملاً في يعفور بسعر 2000 دولار للمتر جاهز ومكسّي مع خدمات ومرافق متكاملة، أو مشروعاً في ضاحية قدسيا بسعر 1000 دولار للمتر مع التسليم بعد سنوات، فإن الحكم على السعر يجب أن يكون بعد دراسة التكلفة والطلب، لا عبر تعليق عاطفي من شخص لا يعرف شيئاً عن هيكل المشروع المالي.
البعض يريد دمشق… ولكن بسعر لا ينسجم مع مكانتها
وهنا تكمن المفارقة.
الكثير ممن يهاجمون الأسعار لا يريدون التملك في مدينة نائية.
ولا في قرية بعيدة.
ولا في منطقة لا طلب عليها.
بل يريدون دمشق نفسها.
أو ضواحيها الأقرب والأكثر تنظيماً.
يريدون العاصمة.
ويريدون الموقع الأفضل.
ويريدون البيئة الأفضل.
ثم يطالبون بأن تكون الأسعار من الأرخص عالمياً.
وهذا تناقض واضح.
لا يمكن الجمع بين أمرين متناقضين:
أن تكون المنطقة مرغوبة جداً من الجميع، وأن تكون أسعارها متدنية جداً في الوقت نفسه.
هل دمشق فقدت قيمتها التاريخية؟
هناك من يتحدث عن دمشق وكأنها مجرد تجمع سكني عادي.
لكن دمشق ليست مجرد أبنية وشوارع.
إنها واحدة من أقدم المدن المأهولة في العالم.
عاصمة دولة.
مركز اقتصادي وإداري.
ومحور اجتماعي وثقافي لملايين السوريين.
هل يكفي وجود بعض النواقص الخدمية لإلغاء كل هذه العوامل من معادلة السعر؟
بالطبع لا.
فالقيمة العقارية ليست شبكة صرف صحي فقط، ولا عدد محطات المترو فقط.
وإلا لما احتفظت المدن التاريخية الكبرى بقيمتها عبر القرون.
ليس المطلوب أن يقتنع الجميع بأن الأسعار الحالية مثالية.
ومن الطبيعي أن يرى البعض أن السوق يحتاج إلى تصحيح أو أن بعض المناطق مبالغ في تقييمها.
لكن وصف كل عقار في دمشق أو ريفها بأنه “خيالي” أو “احتيال” أو “استغلال” هو تبسيط مخل للواقع.
قبل أن نحكم على السعر، علينا أن نسأل:
هل نقارن قلب دمشق بقلب مدينة أخرى؟
أم نقارن عاصمة تاريخية بمناطق طرفية في دول مختلفة؟
هل نحسب قيمة الموقع والندرة والطلب؟
أم ننظر فقط إلى مستوى الخدمات؟
العقار في النهاية لا يُسعّر وفق ما نتمناه، بل وفق ما يدفعه المشترون فعلياً.
ولهذا السبب تحديداً، تبقى دمشق مطلوبة، ويبقى التملك فيها هدفاً للكثيرين، حتى من أكثر المنتقدين لأسعارها.